مابين الرأسمالية والديمقراطية

كورة جول
الصفحة الرئيسية

 


بقلم : عمرو مصطفي محمد 

توجد قصة معروفة عن شاب قبطي أورثوذكسي، أحبَّ فتاةً قبطية بروتستنتية، وأراد أن يتزوجها، وبدأ في تهيئة وسائل الزواج منها، وكانت العقبة الأصعب في طريقه هي موافقة البنت نفسها، وموافقة أهلها أصحاب المنهج المخالف، والمذهب المختلف، ولكنهم على غير المتوقع، وعلى غير تعنت أو ضيق وافقوا، وكانت أمه الأورثوذكسية المتعصبة لمذهبها، أو هكذا كان يُخيل لها، هي التي تمقت و ترفض تلك الزيجة، ولم تجد سبيلًا لإيقاف تلك الزيجة.


ولم تجد سبيلًا لإيقاف تلك الزيجة المشؤومة إلا وسارت فيه، حتى وجدت نفسها فجأةً -وبين عشيةٍ وضحاها- حماة، حماة حمقاء لفتاة أكثر حماقة على غير مذهبها، تزوج الابن مَن يحب ولم يبالِ برأي أمه، ولم تبالِ هي أيضًا بحضور زفافه، واستيقظت في اليوم التالي وهي عمياء، لا ترى شيئًا، تقبع في الظلمة المهلكة، حتى باغتها الموت في ظلمتها في غضون أيام معدودة.

ولهذه القصة قد تجد تفسيرات بعدد شعر رأسك، إلا أنني أجد تفسيرًا لها قد يكون مغايرًا لما قرأته انت عن هذه الرواية.

أرى أن هذه الأم المنكوبة يا صديقي كانت تنظر إلى وليدها نظرة اقتناء، نظرة امتلاك، كانت تتعامل معه

 كما لو أنه عزبة أبيها..

هي المسؤولة الأولى عما يأكله وما يشربه، ومن يصاحبه، ومن لا يجب أن يصاحبه، هي من يحدد أين يذهب، وكيف يذهب، ومع من يذهب ومتى يعود، هي من يحدد موعد نومه وموعد استيقاظه، وموعد تغوطه!

وفي هذا السلوك نوع من فقدان الإحساس بالأمان والثقة، سببه المباشر على الأرجح نواتج الحضارة العصرية.


أثق أنها كانت في أعماق نفسها لا تطيق مسألة زواجه من الأساس، تكظم عنها غيظها كلما زاد الولد في إلحاحه، وإن كان الولد قد كبر، ووصل الأمر به إلى حد التوسل، وإن كان لابد من استجابة لهذه التوسلات إن كان له حقٌّ أصلًا في أن يتزوج، وإن كانت أحرقته الشهوة وقتله الحب، فأنا من سيختار، لأنه لا يحق لغيري الاختيار.


كانت تفزع في كل يوم يكبر فيها وليدها أمام عينيها، تحارب حتى لا يأتي اليوم الذي يُنتزع فيه منها حق ملكية هذه العزبة، حربٌ كانت تعرف نتيجتها مسبقًا، ولكن تخفيها بعيدًا في ظلمة اللاشعور.


ونحن كلنا هذه المرأة التعيسة، ولكن بدرجات معتدلة، اعتدالية، تتأرجح في الوسط، فلا هي تزيد إلى كربة المرض، ولا تقل إلى فضائل الإيثار وإفناء الذات.

كلنا ضحايا أفكار الرأسمالية التي تتعامل معنا كأدوات استهلاكية، وتروس في ماكيناتها، تروس مهمة، ولكنها مجرد تروس..

ضحايا أفكار الحضارة الغربية العصرية، التي تهزمنا وتكتسحنا وتقرعنا على رؤوسنا وتبيدنا كما تبيد زنوج بلاد إفريقيا الضحلة، ولا نقدر أبدًا عليها.


قصة أخرى لشاب في العشرينات من عمره، يعود إلى بيته يوميًّا، وتقريبًا في نفس الوقت، من الجامعة التي تبعد عن بيته مسافة لم يفكر يومًا في أن يحسبها، شاب من أسرة متوسطة، تعيش حربًا شرسة في كل يوم، خشية أن يهوي بها الزمن إلى مدارج العوز، تحارب فقط كي يبقى الحال كما هو عليه .. 

لم يكن يفكر هذا الشاب أثناء عودته في زميلته التي يحبها، ويقتله الشوق إليها في كل لحظة، كما يقتله شعوره بقلة الحيلة.

في كل مرة كان يمسك بعينيه متلبسة تنظر إليها، من فوره، وبشكل لا إرادي، يجده يتحسس بيده المرتجفة جيبه الممزق، فلا يجد فيه ما يشفع للنظر إليها، فيلتفت عنها..


ولم يكن يفكر في أثناء عودته في الأستاذ الذي أهانه أمام زملائه حتى لأنه تأخر في حجز كتابه.

كان فقط يفكر في إمكانية تدبير بضع جنيهات يذهب بها إلى الجامعة في يومه التالي.

في صمت ذهب، وفي صمت يصل،

لم يأبه بالسائق الذي يسب دين أهله، لأنه  تباطأ في النزول، يتوجه إلى المنزل في صمت، وفي صمت يجلس أمام التليفزيون ليخفف عن نفسه المرهَقة، فيلسعه التلفزيون بكرابيج إعلانات 

الكومباوندات” والسيارة الأحدث موديل ذاتية القيادة، وشاشات التلفاز التي تعمل بالإنترنت، والهاتف الحديث الذي يقال أنه يأتيك مشيًا بمجرد أن تناديه!

يصفعه على وجهه بإعلانات القميص الإيطالي، والبذلة التركية، والساعة السويسرية، والعطر الباريسي، وأحواض الاستحمام الألماني التي يمكن أن تمارس فيها الجنس ثلاث ليالِ متواصلة دون أن تمل.

يكويه بالأفلام التي تنتهي دائمًا بزواج الشاب البطل الوسيم أخضر العينين بالفتاة زرقاء العينين. كأنه أمرٌ محتوم لا ينبغي إلا أن يكون.


وعلى الرغم من أن تلك الإعلانات والبرامج التي يقضي الفرد منا نصف يومه أمامها يحملق بعينين غائرتين إلى ثديي المرأة التي ترتدي ملابس من النوع قطونيل، ونحن نلوك بأفواهنا بقايا الجبن بالطماطم.

فإنني يا صديقي لم يستهوِني يومًا ذلك الثدي المشدود بعناية، لأني لا أعمى عن العيوب التي تقف خلفه، والتي أريدك أن تنتبه إليها جيدًا.



إن ما تفعله تلك الإعلانات والبرامج التي تحمل قيم الرأسمالية والحضارة الغربية العصرية وتظل تدس بها في أدمغتنا المتعبة، هي أنها تُظهر لنا بشكلٍ أوضح فظاعةَ ما نحن عليه، تُظهر لنا بشكلٍ أوضح كم نحن أقل من غيرنا الذين اشتروا الهاتف الحديث وحوض الاستحمام الدافئ، فترغمنا على التشبث بما نمتلكه بالفعل خشية أن نخسر كل شيء، وتدفعنا إلى المقارنات المجحفة مع غيرنا، التي أحيانًا ما تطمئننا -وفق منطق الاستهلاك- أننا على ما يرام، وأفضل من غيرنا، وإن كنا لا نمتلك سيارة أحدث موديل، فعلى الأقل نمتلك شاشة سامسونج 32 بوصة لا تمتلكها جارتنا المسكينة.

وإن كنا لا نمتلك شاليه في السخنة أو دهب، فعلى الأقل نذهب مرة في العام إلى جمصة، بينما تكتفي خالتنا بالاستحمام ليلة العيد الكبير.


إن العيب الأصيل في هذه الحضارة عمومًا هي أنها انفرادية، تزاحمية، عدوانية، شعارها الأول والأخير، البقاء للأقوى، البقاء للأصلح..

البقاء للأكثر قدرة على الكسب، والأكثر قدرة على الشراء، والأكثر قدرة على التملك، والأكثر قدرة على المضاجعة، شعارها الأول والأخير.. أنا وحدي والموت للمتخلفين.


والمشكلة أننا ننتمي بطبيعة الحال إلى هؤلاء المتخلفين، الذين تظل تتسع عندهم الفجوة بين ما يريدونه، بحكم السعي نحو مجاراة تطور العصر، وبين ما هم عليه بالفعل، الذين تظل تدفعهم الحضارة من خلف ظهورهم إلى الأمام المجهول الذي لا طاقة لهم به، فتزداد خشيتهم من التلف والإفلاس والفقر والجوع وضياع الفرصة، ويظل يأكل القلق في أعصابهم، ويمزق التوتر في أحشائهم، فتكون النتيجة إما الإنحراف وإما الإنتحار.

google-playkhamsatmostaqltradent